الصمود الاقتصادي بين الهجرة وسوق العمل الاسرائيلية ” بقلم : أسامة خليفة ” باحث في المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»

#وكالة_إيران_اليوم_الإخبارية

 

 

 

 

– إن التبعية الاقتصادية هي عامل هام في تكريس الاحتلال، وخطوات الضـم الاقتصـادي الإسرائيلية تمهد للضـم القانونـي والسياسـي، من خلال استراتيجية للسـيطرة والتحكـم الاسـتعماري، ممنهجة الخطوات تتقـدم باضطراد على المستويين السياسي والاقتصادي، فالمعطيـات توضــح نوايــا إســرائيل فــي توســيع دائــرة استغلالها للقــوى العاملــة الفلســطينية، ورفــع كفــاءة الإطار التنظيمــي لعمليــة الســيطرة والاستغلال الاستعمارية.

عملية التسوية السياسية بكل محطاتها لم تؤدِ إلى إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولا إلى تعافي جسم الاقتصاد من التشوهات الهيكلية في بنيته، والتي خلفها الاحتلال، فارضاً في فترة أوسلو المزيد من التعطيل ووضع العصي في دواليب  الإصلاح الاقتصادي، فتفاقمت الأزمات بسبب ممارسات الهيمنة وفرض التبعية، ليزداد الاقتصاد تشوهاً على تشوه، ولتنتقل به وبالحياة اليومية للفلسطينيين إلى حال أسوأ، مفندة أوهام أوسلو بالرخاء والبحبوحة التي ستجلبها عملية السلام، وخابت الآمال بظروف مواتية تنهي ممارسات سلطات الاحتلال، بالسماح للحكومة الفلسطينية بانتهاج سياسات تنموية فاعلة، مسنودة بدعم دولي حسب الوعود المزيفة.

إذ تهدف اسرائيل من وراء تردي الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين عموماً، وتفاقم الواقع المعيشي البائس، أن يؤدي إلى قبول مشروع «السلام الاقتصادي» وهو ما يمثل أحد الثوابت الأساسية في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين تحت الاحتلال: إدارة السكان، والحيلولة دون التحرر الوطني، والتوسع الاستيطاني على الأرض.

فــي 18 كانــون أول 2016، أصــدرت حكومــة نتنياهــو قــراراً حكومــياً بعنــوان «زيادة حجم توظيـف العمال الفلسطينيين في إسـرائيل مـن منطقـة يهـودا والسـامرة، وتحسـين طريقـة إصـدار تصاريـح العمـل، وضمـان ظروف عمل عادلة للعمال الفلسطينيين». يظهر هذا القرار كجزء من العملية الزاحفة الأكبر والهادفة لضم الضفة الغربية، حيث أن التطورات في محور العمل ليست منعزلة عن سياق أوسع من الإجراءات الإسرائيلية السياسية والعملية، التي تهدف إلى تعميق وإدامة حالة التبعية الاقتصادية الفلسطينية.

لا خلاف أن العامل الأساسي والحاسم في تحديد حجم العمالة في إسرائيل هو سياسات السيطرة والاستغلال الاستعمارية الإسرائيلية، وليس قوى السوق الحرة، يبدو هذا جلياً عند المقارنة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فمعدلات البطالة في قطاع غزة أعلى بكثير من الضفة الغربية، والفرق في الأجور بين قطاع غزة والضفة كذلك أعلى، ولكن إسرائيل لا تسمح سوى لعدد محدود من عمال القطاع من دخول إسرائيل.

قرار حكومة نتنياهو هذا يظهـر إسـرائيل بمظهـر الحريـص علـى سـلامة العمـال وحقوقهـم، وحرص اسرائيل على توفير فرص عمــل لهم، مما يمكنها من تقــديم نفســها بديــلاً عن الســلطة الوطنية الفلســطينية، قــادرة علــى الاســتجابة لاحتياجــات النــاس والاقتصــاد، مستغلة الحاجة إلى بيع قوة العمل بسبب ضيق سوق العمل الفلسطينية، ومستغلة لهذا الأمر الحاجة الاقتصادية لسلع استهلاكية غير متوفرة محلياً، مما يؤدي إلى حالة من الرضوخ للأمر الواقع، وقد حققت سلطات الاحتلال نجاحاً في اتباع اقتصاد الضفة وقطاع غزة ودمجه في الاقتصاد الاسرائيلي، ساهم في ذلك التزام القيادة الرسمية الفلسطينية ببروتوكول باريس الاقتصادي ورفضها الخروج منه، تنفيذاً لقرارات المجلسين الوطني والمركزي، وتجاهل الدعوات الوطنية إلى فك عجلة الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، وبناء اقتصاد فلسطيني مستقل، ومقاطعة البضائع الاسرائيلية، ومقاطعة العمل في المصانع والمستوطنات الإسرائيلية، إن تداعيات ارتفاع عدد العمال الفلسطينيين في سوق العمل الإسرائيلية وتعاظم دور الإدارات الاحتلالية في التحكم بالقوة العاملة الفلسطينية، سيبقي مسار التنمية الفلسطينية وجهود بناء اقتصاد وطني في إطار التبعية الاستعمارية .

إذا كان توجه السلطة الفلسطينية نحو قبول هذا التوجه الإسرائيلي لاستيعاب مئات الآلاف من العمال الفلسطينيين، فهذا يقتضي إعادة التفكير بكافة السياسات الخاصة بالانفكاك، أو حتى مفهوم الاقتصاد الوطني المستقل.

ليـس هنـاك توجــه سياســي فلســطيني متوافــق عليه، ولا أجنــدة تفــاوض منســقة ومتجانســة بيــن أقســامها الخاصــة بالتجــارة والعمالــة والنقـد والزراعـة والمـوارد الطبيعيـة والتوسـع العمرانـي. يجب فهم التوجـه الإسـرائيلي لفـرض حقائـق اقتصاديـة علـى الأرض تعـزز مـن الحقائـق الأمنيـة والسياسـية الاسـتعمارية التـي لا تضـع فـي الأفـق سـوى المزيـد مـن الاسـتيطان والتحكـم بمـوارد الشـعب الفلسـطيني كافـة، كل ذلك بمثابة خطوات للضـم الاقتصـادي يمهد للضـم القانونـي والسياسـي الذي تأجل في العام 2020، لكن إسرائيل لم تتراجع أبداً عن نيتها تلك.

ما بين عسف الاحتلال وعجز السلطة، فإن مستقبل الاقتصاد الفلسطيني أمام خيارين، فإما أن يتحرر من التبعية والانطلاق نحو آفاق أرحب تفتح أمامه فرص التطور، أو الدوران في مزيد من التبعية والتدهور والركود، وتفيد المقارنة بين سياسات السلطة الفلسطينية الحالية، لتظهر مدى عجزها، وبين دعوات القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة التي تجاوبت الجماهير الفلسطينية معها في انتفاضة الحجارة، في بناء اقتصاد منزلي وترشيد الاستهلاك، والعمل على توفير بدائل محلية أو عربية للحاجات الأساسية، خطوة أولى وضرورية مازالت تحتفظ بأهميتها، ويجب أن تتعبها خطوات، باتجاه تنمية الموارد المحلية في قطاعات الزراعة والصناعة والبناء، فالصمود الاقتصادي يسهم في رفع مستوى مقاومة الاحتلال، بل هو المقاومة الحقيقية في جانب مهم من جوانبها، والتحرر الاقتصادي وإلغاء التبعية يسهم في تطوير المقاومة ويخلق قاعدة صلبة لها، هذا التحرر يحتاج إلى برنامج يرتبط بكل النواحي الانتفاضية عبر الإنسان، من خلال تنمية قدراته ومهاراته، للاستفادة الكاملة من القوى البشرية الفلسطينية، وهذا يطرح التعليم العام والتعليم المهني والفني، والعناية بصحة المواطنين، وتنمية الخبرات المحلية، والاعتماد عليها بشكل أساسي، يدور هنا سؤال: هل يتنافى إعداد مواطن ينتمي إلى الأرض مخلص لاقتصاده الوطني مع إعداد مناضل يكرس جهده للصراع السياسي؟. فقد برزت نزعتان في معالجة هذه المسألة:

  • النزعة الأولى: تستخف بهذا الجانب من جوانب العمل النضالي، بحجة أن صراعنا هو صراع سياسي بالدرجة الأولى، وبحجة مواجهة الكيان ككل، وهذه النظرة السطحية تغفل أهمية النضال الاقتصادي وموقعه بالنسبة لنضالات شعبنا، وخصوصاً أهمية العلاقات الاقتصادية بالنسبة لسياسات الاحتلال، والتي تؤكد بأن النضال على هذا الصعيد هو جزء لا يتجزأ من النضال السياسي العام ضد الاحتلال، ومرتكز أساسي لبناء اقتصاد وطني نواة لاقتصاد مرحلة الاستقلال.

إن هذه النظرة لا تدرك بالطبع أهمية التحرر الاقتصادي، بمعنى الفكاك من العلائق الوشيجة على الصعيد الاقتصادي التي ربطت المؤسسات الاقتصادية الاسرائيلية والهيكلية الاقتصادية الفلسطينية في الأرض المحتلة.

  • النزعة الثانية: تبالغ بهذا الشكل من أشكال النضال، وتعتبره الشكل الممكن والمناسب بالنسبة للحركة الجماهيرية، وتعتقد أن الظروف لا تسمح إلا بتحقيق اصلاحات اقتصادية من أجل تحسين الأوضاع المعيشية عن طريق الطرح المرتجل لشعار العصيان المدني بشكله الإصلاحي الضيق، إن أنصار النزعتين يفصلون تماماً بين النضال الاقتصادي والنضال السياسي، ويتناسون أهمية ربط كافة أشكال النضال، وقد حاولت سلطات الاحتلال الاسرائيلي تحويل انتفاضة شعبنا الأولى إلى نضال وطني مطلبي هدفه تحسين المستوى المعيشي لسكان الأرض المحتلة، عبر شق طرق وفتح مدارس وتأمين فرص عمل، وهذا ما أوهمت به ورشة البحرين أيضاً، لكن الانتفاضة وضعت النضال الاقتصادي في السياق العام للنضال التحرري، فأثبتت الوقائع أن المناضل السياسي هو مواطن من الدرجة الأولى عندما يتعلق الأمر باقتصاد شعبه، وتعليم أبنائه، فالتعليم مفتاح التطور الاقتصادي الحقيقي، وبناء الشخصية المنتجة القادرة على العمل وتنظيمه والإخلاص للجماعة، لأن بناء الاقتصاد الوطني يرتبط بالدافع الوطني والمصلحة العليا للشعب، وإن ارتبط أيضاً بالعوامل الموضوعية والظروف العامة المحيطة التي تمثل عقبات تحتاج إلى حل مثل البطالة ومشكلات التعلم والخطط التعليمية التي لا ترتبط بحاجات السوق وحاجات القطاعات المنتجة، مما يبقي العديد من الأيدي العاملة الغير مدربة أو نصف المدربة خارج حاجات القطاعات المنتجة من الزراعة والصناعة، ولا تجد غير قطاع الخدمات لبيع قوة عملها، وهذا القطاع لا يستوعب نصف قوة العمل.

إن دعم المواد الاستهلاكية هو ضرورة اقتصادية اجتماعية سياسية، ترتبط بمصالح الجماهير الشعبية الواسعة، وخاصة محدودي الدخل، وكل الحكومات باتجاهاتها السياسية والاقتصادية المختلفة، تدرك أبعاد هذا الدعم في ظروف بلدانها التي ليست بمثل الضغط الحياتي في الأرض المحتلة، والدول العربية قادرة على سد الاحتياجات، وهو أقل ما يمكن أن تقدمه دعماً للصمود في مواجهة إجراءات الاحتلال، وأهم دعم يمكن أن تقدمه الأسواق العربية الواسعة هو تسهيل تسويق الانتاج وضمان تصريفه، وإعفاء السلع المنتجة في الضفة والقطاع من الضرائب الجمركية، وعلى السلطة الفلسطينية تأمين احتياجات الفلاح من الأعلاف والأسمدة بأسعار أدنى من المعتاد، ذلك هو الشرط الموضوعي ليتمسك الفلاح بأرضه، ولا يتخلى عن زراعة بعض السلع بسبب عدم الجدوى الاقتصادية، وخاصة في ظل اقترانها بممارسات سلطات الاحتلال ومستوطنيه الذين يقومون بحرق الأراضي الزراعية وقطع الأشجار ومنع الفلاحين من الوصول إلى أراضيهم، مثلما يحصل في موسم جني الزيتون، مضافاً إلى ذلك سياسة مصادرة الأراضي الزراعية لبناء المستوطنات والجدار العازل.

لقد طرحت الانتفاضة مجموعة من الشعارات وعملت على تعبئة الجماهير من أجل تطبيقها، لكن هل يكفي العمل على استنهاض همة الجماهير ورفع درجة وعيها باتجاه التمسك بأرضها والمحافظة على شخصيتها الوطنية؟

هذا يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع توفير المستلزمات المادية الضرورية للصمود في الأرض المحتلة، فلا التعبئة السياسية كافية بمفردها، ولا الدعم المادي بكافٍ للتصدي للمشروع الاسرائيلي.

إن النشاطات الاقتصادية لا تتساوى في الأهمية، وخاصة إذا كان المطلوب مواجهة اقتصادية، فما هو المعيار الأساسي الذي يتم على ضوئه وضع الأولويات في سلسلة المشاريع الاقتصادية الرامية إلى تعزيز الصمود في الأراضي المحتلة؟. فإذا ما كان المردود المادي هو المنشود عادة في مشاريع القطاعات المنتجة، فإن هذه المقولة لا تصح في حالة المشاريع الانمائية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحيث يتوجب تطبيق المردود الاجتماعي السياسي بدلاً من المردود الاقتصادي، بمعنى أن ما يجب أن ينظر إليه عند وضع أولويات المشاريع الاقتصادية هو مدى مساهمتها في تعزيز الصمود ومدى توفيرها لفرص العمل هناك، ومن ثم النظر للتكلفة المادية لهذه المشاريع.

فإذا انقطع عشرات الألوف من العمال الفلسطينيين عن العمل في الصناعات والنشاطات لدى أرباب العمل الاسرائيليين، فلا بد من إيجاد البديل، الذي يؤمن لهم دخلاً ولقمة العيش، وحل مشكلة استيعاب هؤلاء العمال في نشاطات اقتصادية فلسطينية، يتطلب توفير فرص عمل لهم، من خلال خلق تكنولوجيا وسيطة كثيفة العمالة، وليس بناء صناعة متطورة لا تتلاءم مع قلة رؤوس الأموال وضيق السوق المحلية وتوفر اليد العاملة، فطرح شعار مقاطعة العمل في المشاريع الاقتصادية الاسرائيلية وتعبئة الجماهير وفقه، يكتسب مضموناً في الطرح إذا ترافق مع البحث عن بدائل، ومنعاً لأي انتكاسة تحت ضغط فرض الأمر الواقع الذي تمارسه سلطات الاحتلال، ونظراً لأن الإمكانيات الاقتصادية الفلسطينية محدودة للغاية، فإن المشاركة الجماهيرية هي إحدى الشروط في إنجاح عملية التنمية، وإلا فإن الحاجة الاقتصادية وعدم توفر فرص العمل إن لم يستوعبها سوق العمل الإسرائيلي، فإنها ستؤدي إلى هجرة عدد من الشباب الفلسطيني بهدف تأمين مستوى معيشي مقبول لأسرهم، وقد تحولت بعض تلك الأشكال من الهجرة إلى هجرة جماعية شملت أسر بكاملها ودون عودة، وقد ترافقت هذه الهجرة مع سياسة الإبعاد والطرد الجماعي الهادفة لإفراغ الأرض المحتلة من سكانها، وإحلال المستوطنين اليهود مكانهم، مما يستدعي النظر إلى التشبث بالأرض كمهمة وطنية يقف في وجه المخططات الاستيطانية، واليقظة تجاه ارتباط السياسة السكانية، بالسياسة الاقتصادية لسلطات الاحتلال، من إفقار الفلاحين، ومصادرة الأراضي، وتخريب المزروعات، وتقييد الصناعات الوطنية، وفرض الضرائب الباهظة، إلى إصدار أوامر الإغلاق، ومصادرة أملاك الغائبين وغيرها، مما يؤدي إلى هجرة قسرية أو تهجير باتباع أسلوب خفي نابع من الحاجة الاقتصادية، فمنذ بدايات الاحتلال سعت سلطات الاحتلال لإلحاق اقتصاد الضفة بالاقتصاد الاسرائيلي، للإبقاء على تخلفه وجعله سوقاً لتصريف البضائع الاسرائيلية، ومصدراً لليد العاملة الرخيصة، وقد جاءت طبيعة التعليم وبعض المشكلات التي تتعلق بالاقتصاد لتخدم هذا الاتجاه، فمن المشكلات التي تواجه الطلاب بعد تخرجهم أن الفرص المتاحة أمام الخريج للعمل محدودة بسبب ضعيف البناء الهيكلي الاقتصادي وسياسة تحجيم الاقتصاد الوطني وزيادة تبعيته.

تتركز نسب البطالة المرتفعة في أوساط خريجي الجامعات، وبشكل أكبر بالنسبة للخريجات، وهي الفئات التي لا يمثل العمل في إسرائيل بالنسبة لها خياراً ممكناً، وتصل البطالة في صفوف خريجي الجامعات إلى72 % في قطاع غزة وهي الأعلى عربياً.

أما بالنسبة للعمالة غير الماهرة، فإن انتقال جزء كبير منها للعمل في إسرائيل بدافع الفرق في الأجور، أدى إلى نقصها في السوق المحلي، وإلى ارتفاع الأجور في قطاعات معينة.

إن سياسة سلطات الاحتلال تؤدي إلى نتائج اجتماعية واقتصادية وديمغرافية على وجود الشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة، كآثار مستقبلية خطيرة تستدعي البحث في وضع سياسة سكانية مواجهة، تصبح ذات أهمية بالغة، ليست من قبيل العمل الفكري البحت، وليست بديلة عن استراتيجية التحرير، وإنما هي جزء من شمولية المواجهة مع الحركة الصهيونية الاستيطانية.

إن إحدى أهم النقاط المتعلقة بالموضوع هي السياسة التعليمية، التي لا تتلاءم مع سوق العمل، حيث تُخرّج المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية يداً عاملة غير مدربة، وقد يترك العديد من طلاب المدارس دراستهم للعمل من أجل مساعدة الأسرة، فإذا كنا نطمح لدور إيجابي للتعليم في نضال المجتمع الفلسطيني في المناطق المحتلة يجب أن نخطط الآن لنظام تعليم مناسب ومختلف، يتضمن تغييراً في مضمون نصوص الكتب وتقنية التعليم، وإعادة توزيع طلاب الجامعة بطريقة تمكّن المثقفين الفلسطينيين من تلبية احتياجات مجتمعهم، وإلا سوف تستمر اليد العاملة الفلسطينية المدربة ببيع قوة عملها في سوق العمل العربي، وفي أي مكان من العالم، فالمدارس والجامعات أعدت أساساً لإنتاج يد عاملة لسوق العمل العربية، أو للخدمة في قطاع الخدمات، أو للعمل في السوق الاسرائيلية.

يرتبط تنمية الاقتصاد الوطني، بانتشال الناس من واقع البؤس والفقر والبطالة كما ترتبط بإخراج الناس من الإحباط وحالة اليأس إلى حالة العزة والعيش الكريم في الحدود المقبولة، على هذا الأساس بدأت تعاونيات وجمعيات اقتصادية إنتاجية تقدم البديل، ولا تقف على حدود الرفض والدعوة للخروج من بروتوكول باريس الاقتصادي، والبديل هو جعل الفرد مكتفياً ذاتياً ومعتمداً على نفسه، وكذلك جعل المؤسسات مكتفية ذاتياً لتتمكن من تمويل مشاريعها الاقتصادية والاجتماعية والوطنية، وتشغيل اليد العاملة لكيلا تضطر للعمل في المشاريع الاقتصادية الاسرائيلية.

تعتبر جمعية إنعاش الأسرة في رام الله من المؤسسات النموذجية في العمل الخيري والتطوع التي تساهم في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، ودعم نضاله نحو الحرية والاستقلال ودعم قيم العدالة، والمساهمة في التنمية المستدامة من خلال التمكين الاقتصادي والاجتماعي، والحفاظ على التراث، والنهوض بالمرأة، والأسرة الفلسطينية، وتقديم برامج تعليمية وأكاديمية وفق احتياجات السوق، وخلال ثمانية وخمسين عاماً من عمرها، تطورت الجمعية لتحتوي مراكز إنتاجية هامة على مستوى المنطقة، الأمر الذي يعكس توجهاتها الصادقة لتعزيز صمود الأسر وتعزيز مكانة المرأة عبر العمل والإنتاج، في ظروف تكتسب فيها هذه المشاريع الخيرية الإنتاجية التنموية ملامح مميزة عن مثيلها في المجتمعات الأخرى التي تتمتع بوجود سلطة وطنية كاملة السيادة. 

ومن الهام توجيه الأنظار الى إنجازاتها في المجتمع الفلسطيني ودورها في كافة نواحي الحياة الوطنية والاقتصادية والانسانية، كمؤسسة نموذجية تساهم في صمود الأهل فوق أراضيهم، هذا العمل التطوعي في الأرض المحتلة يعتبر واحداً من الدعامات المتينة في مقاومة ما تهدف إليه سلطات الاحتلال بتفريغ الأرض من أصحابها الشرعيين والوقوف في مواجهة سياسات الاقتلاع والإفقار والإلحاق والضم والمصادرة، لذا ولاعتبارات هذا الدور يتطلب دعمها وتمتين قدرتها على مواجهة إجراءات سلطات الاحتلال في التضييق عليها.

من ناحيـة اقتصاديـة بحتـة، مـن الممكن أن يجلـب تدفـق المزيد مـن العاملين إلى الاقتصاد الإسرائيلي نتائـج سـلبية عـلى الاقتصاد الفلسـطيني المحلي. أما مـن ناحيـة اقتصاديـة-سياسـية، فـإن الاعتماد المفرط عـلى سـوق العمـل الإسرائيلي، هـو سـمة مـن سمات التبعيـة الاستعمارية للاقتصاد الإسرائيلي. بالتالي فــإن أبــرز متطلبــات التأســيس لاقتصاد فلسـطيني مسـتقل تكمـن في التخلـص مـن مسـار التبعيـة الـذي فرضتـه إسرائيل. في ظل استمرار الوضع الحالي، وبالتوازي مع المطلب الفلسطيني بوجوب سحب العمالة الفلسطينية في المستوطنات، يجـب عـلى الحكومـة الفلسـطينية إعـداد خطـة واضحـة للعمـل على إنهـاء هـذه الظاهـرة أو عـلى الأقل الحـد مـن توسـعها خلال السـنوات القادمـة بحسب ما نص عليه قانون صندوق الكرامة، المطلوب خطة عمل وليس مجرد دعوات للقطاع الخاص لتنظيف السوق المحلي من منتجات المستوطنات، ولا مجرد إصدار توجيهاته للوزارات والدوائر الحكومية لبذل أقصى الجهود بالتعاون مع القطاع الخاص لإيجاد فرص عمل بديلة للعمال العاملين في المستوطنات، ولا النداءات لحملات التمكين الذاتي ومكافحة منتجات المستوطنات، والتأكيد على استمرار الجهود المبذولة لإنشاء صندوق الكرامة الوطنية، وتفعيل صندوق التشغيل والحماية الاجتماعية لتوليد فرص التشغيل الذاتي، فمـن الأجدر اتخاـذ خطـوات عملية مدروسة وممنهجة تجاه ذلك.

يفتقـد المشـهد الفلسـطيني إلـى الرؤيـة الاسـتراتيجية حـول العلاقة الاقتصاديـة مع إسرائيل وفـي مجـال العمالـة في إسـرائيل، كمـا يغيـب الاسـتثمار العـام والخـاص المطلـوب لبنـاء القـدرة الإنتاجيـة المحليـة التـي مـن شـأنها فقـط تعزيـز فـرص الانفـكاك، والتوظيـف المكثـف للطاقـات البشـرية الفلسـطينية المشـتتة بالاستناد إلى خطـط التنميـة الوطنيـة، دراسة إمكانية تخصيـص أي اسـتقطاعات يتـم تحصيلهـا مـن إسرائيل للقيـام بمشاريع استثمارية مـن شـأنها توفير فـرص عمل جديدة.

لقد فـرض علـى المفـاوض الفلسـطيني فـي باريـس العـام 1994 خيـار الاتحـاد الجمركـي -بـدلاً مـن نظـام التجـارة الحـرة-  وكان تبريـره أنــه لــم يكــن ممكنــاً الانفصال عــن ســوق العمــل الإســرائيلية فــي تلــك المرحلــة التــي كانــت تحتــاج الــى بنــاء الاقتصـاد المحلـي القـادر علـى اسـتيعاب فائـض العمالـة الذي أدى إلى تبعية ما تزال قائمة، ولا تلتزم سلطات الاحتلال بكل ما نص عليه بروتوكول باريس الاقتصاد، وتنفذ كأمر واقع ما تراه مناسباً لها من بنوده التي تهمـش دور السـلطة الوطنيـة الفلسـطينية في حماية حقوق العمال، ويحرمها أيضاً من جزء هام من أموال المقاصة، مما يضع السلطة أمام خيارين، إما الخروج من بروتوكول باريس، أو على الأقل التعاون والتنسـيق مـع منظمـة العمـل الدوليـة وكافـة الأطراف المعنية، للعمـل عـلى تحريـر العامـل الفلسـطيني مـن حالـة الارتهان للمشـغل الإسرائيلي ولسماسرة التصاريـح التـي يخلقهـا نظـام التصاريـح الحالي، ويمكّن من تحويـل المستحقات المتراكمة لخزينـة السـلطة مـن اسـتقطاعات ضريبة الدخـل عـن العمال في إسرائيل خلال السـنوات الماضية، وعلى السلطة أن تطالب بهذه المستحقات كما ينـص بروتوكـول باريـس، وأن تطالب بتحويـل المستحقات المتراكمة مـن ضريبة المعادلة والتـي تمتنع إسرائيل أيضـا عـن تحويلهـا منـذ سـنوات. وإيجاد آلية واضحــة وشــفافة لتحويــل مســتحقات العمال مـن مؤسسـة الضمان الاجتماعي الإسرائيلية، إلى مؤسســة ضمان اجتماعي فلســطينية، كما يجـب أن تضطلـع النقابـات العمالية والمؤسسات المعنية بالدفـاع عـن حقـوق العمال بدورهـا في توعيـة العمال بحقوقهـم، وتقديـم الدعـم القانوني لهـم، وعـدم الاكتفـاء بمتابعة الحالات والشـكاوى التـي تصلهـا.

إن تمكّن الشعب الفلسطيني من الصمود ومواجهة الخنق الاقتصادي، أمر ممكن التحقق، من خلال الخطوات التالية: فصم العلاقة مع السوق الاقتصادية الإسرائيلية، إعادة النظر بأولويات السياسة الاقتصادية، تنمية الناتج المحلي، تنشيط المعونات الخارجية، مراجعة لأوجه الصرف وللموازنات المعتمدة، العودة إلى اقتصاد الانتفاضة بما هو توجه مجتمعي متكامل للاعتماد على الذات وعلى المجتمع الأسري والمحلي المتضامن لتغطية احتياجات المواطنين وتلبيتها بهدف الحفاظ على الصمود.

وتبقى الآمال معلقة على بناء اقتصاد وطني يرفع معدل النمو الإجمالي في الناتج المحلي، ويزيد نصيب الفرد من هذا الناتج، فيحسن مستوى المعيشة للسكان، ويخلق فرص عمل للشباب والخريجين.