” لبنان ” أي استقلال ..؟! بقلم : السيد صادق الموسوي

#وكالة_إيران_اليوم_الإخبارية

 

 

 

– جميع دول العالم تحتفل بعيد استقلالها عن المحتل الذي عاث فساداً في بلادها لعقود وأذلّ شعوبها ونهب ثرواتها أحقاباً، وشعوب تلك البلاد تكنّ البغض للدولة الغازية المحتلة وتبيّن النفور من حقبة الإستعمار وتعلن الكراهية لذلك الماضي المخزي، وتبني دولة على غير شاكلة الكيان المحتل، لكن الأمر مختلف كلياً في لبنان حيث ينظر أغلب اللبنانيين إلى فترة الإستعمار الفرنسي لبلدهم نظرة إيجابية، ويفاخرون بالودّ للذي غزى وطنهم وفرض سلطته على شعبه، بل يحنّ بعضهم إلى تلك الحقبة الغابرة حيث طالب في عريضة إلى الرئيس الفرنسي ماكرون أثناء إحدى زياراته الى العاصمة اللبنانية بعودة فرنسا إلى احتلال لبنان، ولبنان لا يزال عضواً في منظمة الفرانكفونية تحت رعاية الدولة الفرنسية، وقسم من اللبنانيين يسمّون فرنسا ” الأم الحنون “، ويقيم رأس الكنيسة المارونية الصلاة سنوياً على نيتها، ويتفاخر الكثير من اللبنانيين بأنهم يتقنون اللغة الفرنسية أكثر من اللغة العربية، وبعض المناطق اللبنانية لا تجد فيها لوحة إعلانية واحدة بغير اللغة الفرنسية، وبعد هذا تجدهم يحتفلون بعيد الإستقلال ويضعون أكاليل من الزهور على أضرحة قادة ” الإستقلال “، والقرار الفرنسي باختصاص منصب رئاسة الجمهورية بالموارنة والمجلس النيابي للشيعة ومجلس الوزراء للسنة لا يزال هو السائد من دون تغيير، وهيمنة الموارنة على قيادة الجيش ومخابراته وحاكمية مصرف لبنان ورئاسة السلطة القضائية مازال من دون تبديل، بل يتشبث أهل السلطة بهذا التقسيم العنصري رغم مضي نحو ثمانين عاماً على ما يسمونه استقلالاً عن الإحتلال الفرنسي، ولا يقبل المنتفعون من هذا النظام الطائفي حصول أي تغيير في بنية هذا النظام البالي وتعديل في القوانين السائدة منذ حقبة الإستعمار البغيض، ففي جميع دول العالم التي تدّعي الديمقراطية للمرأة حق كما للرجل في أعطاء جنسيتها لولدها إلاّ في لبنان، وفي كافة دول العالم الديمقراطية يحق للذي يقيم فترة معينة في البلد أن يكتسب جنسيته إلاّ في لبنان، وفي عموم الدول التي تمارس الديمقراطية تُعطى المناصب للأكفاء في بلادهم من دون النظر إلى انتمائهم الطائفي أو المذهبي إلاّ في لبنان، أنظروا إلى بريطانيا كيف يحكمها اليوم رئيس وزراء من أصول هندية ورئيس حزب حاكم من أصول عراقية ورئيس بلدية العاصمة من أصول باكستانية ولا تقوم الدنيا ولا تقعد، وانظروا إلى الولايات المتحدة التي يختار رئيسها الحالي جو بايدن ١١ يهودياً في المناصب العليا للدولة من دون أن يرى أحد في ذلك بأساً، وفي فرنسا نفسها تقلد أشخاص من أصول عربية شؤون وزارات فيها في فترات متعددة من دون حرج أو اعتراض، لكن في لبنان يدّعون أن نظامه ديمقراطي في حين أن كيانه قائم على التمييز العنصري والتسلط المذهبي والتقاسم الطائفي والذي هو من بقايا الحقبة الإستعمارية وعصر التخلف وزمن سيطرة الجهل على المجتمع، ونرى كل دول العالم تطور قوانينها وفقاً لحاجات الزمان وطبقاً لاحتياجات المواطنين إلاّ في لبنان الذي لا يزال أسير نظام حدد شاكلته الجنرال غورو الفرنسي عام ١٩٢٠، والمحتفلون بعيد الإستقلال لا يقبلون المسّ بتلك الشاكلة أبداً، وتتحكم في جميع مفاصل الدولة اللبنانية الضوابط التي كرسها المندوب السامي الفرنسي من دون أن يقوم بإزالتها الذين يتباهون بأنهم يعيشون في بلد مستقل عن الدولة المحتلة الغاشمة ويقيمون الإحتفالات كل عام بمناسبة عيد الإستقلال بعروض عسكرية واستقبالات رسمية.

– إن الإستقلال الحقيقي يكون بالتحرر من آثار المستعمر بالكامل، والعيش في ظل دولة تدير أمور البلاد وفقاً لمتطلبات اللبنانيين، والحياة في كنف نظام يرعى شؤون المواطنين وفقاً لمصالحها من دون التشبث بما تركه المندوب السامي للدولة المحتلة قبل ٧٩ عاماً، وهذا هو الواقع حتى يومنا هذا ومع ذلك يشكو الشعب من الفساد المستشري، ويكتوي بنار الفقر المدقع، ويبحث عن أية وسيلة للهجرة من وطنه إلى أي بلد في العالم حتى إلى أقاصي إفريقيا وغابات الآمازون، لكنه لا يجمع طاقاته ويوحّد مختلف قواه وتتضامن كافة فئات شعبه من أجل التحرر من هذا النظام الطائفي العنصري الذي لا يقيم وزناً للإنسان، ولا يعنيه حاجات المواطنين، ولا يهمّه سوى كسب رضا الأجنبي وتنفيذ أجندات الخارج، والتسول من هنا وهناك باسم لبنان ليزيد رصيد زعماء الطوائف في البنوك الأجنبية والإقتراض من هذه المؤسسة الإقليمية وتلك الدولية نيابة عن الدولة اللبنانية ليستقر المبلغ في حسابات المتسلطين على رقاب الناس من رؤساء ووزراء ونواب وقادة أحزاب، أما أبناء الشعب فليس أمامهم سوى الوقوف في صفوف طويلة على أبواب السفارات الأجنبية ومكاتب الأمم المتحدة طلباً لتأشيرة أو تقديم استمارة لجوء، وبعد العجز عن الحصول على التأشيرة واللجوء تكون قوارب الموت هي الأمل الوحيد للبحث عن إمكانية للحياة.

– إن لبنان الذي يتركه أبناؤه إلى مختلف بلاد العالم منذ قرون طلباً للرزق، ولبنان الذي يهجره مواطنوه إلى كافة الدول بحثاً عن الأمان، ولبنان الذي يبذل مواطنوه كل ما يملكون ليخرجوا منه إلى أي مكان يشعرون فيه بالسعادة، هذا اللبنان لا يمكن تغيير واقعه بالهرب إلى الخارج واللجوء إلى هنا وهناك والسفر إلى هذه الدولة وتلك، بل يجب أن يتحرر مواطنوه من الإرتهان للعصبيات الطائفية والخروج من هيمنة الزعامات التقليدية وقيادات الأحزاب باسم الدين والقومية والإشتراكية وغيرها وينهضوا بعزيمة وإصرار للإمساك بزمام الأمور مباشرة وتغيير النظام القائم على الأسس الإستعمارية، وبناء جمهورية يكون رئيسها منتخباً من الشعب ومسؤولاً أمام الشعب وحريصاً على مصلحة الشعب ومحاسَباً من قبل الشعب في حال التخلي عن واجباته، وهذا يتطلب إرادة جازمة وقراراً حازماً للتغيير ثم يكون التوكل على الله والإستعانة بحوله وقوته لأنه سبحانه يقول في كتابه : { إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم } صدق الله العلي العظيم.

– السيد صادق الموسوي