المتضخمون والحمل الكاذب .. بقلم : خلف المفتاح – المدير العام لمؤسسة القدس الدولية (سورية)

#وكالة_إيران_اليوم_الإخبارية

 

 

 

– ثمة ظواهر اجتماعية سلبية جديرة بنقدها وتعريتها ومحاربتها ؛ لأن استمرارها يحولها مع الزمن إلى سلوك مستقر، إن لم نقل ثقافة اجتماعية تؤثر في سلم القيم وتراتبيته في الوجدان العام؛ من هذه الظواهر السلبية تلك التي يمكن وصفها بالتضخم الاجتماعي قياساً على التضخم الاقتصادي أو المالي، وهي ذلك المرض أو العارض؛ الذي يصاب به بعض الأشخاص بحكم المنصب الذي يحتلونه في السلطة سواء كانت تنفيذية أم حزبية أم غيرها، فعند بعض هؤلاء تجد الأعداد الكبيرة ممن يلتفون حولهم من المصفقين والمداحين يشاركونهم أفراحهم وأتراحهم، وربما نلاحظ طوابير مصطفة تقتنص كل مناسبة من قبيل تقديم التعازي أو التهاني لبعض هؤلاء لتبالغ في ما يمكن أن يكون أداء واجب إلى درجة أن البعض أخذ يحضر إلى مكان التعازي قبل موعدها بزمن ليس بقليل حتى يحصل على (شرف) القيام بالواجب والسبق فيه؛ ليثبت وفاءه ومحبته لصاحب المناسبة؛ -وهو موقف في جوهره تعبير عن النفاق والكذب البين-؛ إلى درجة أن القائمين بهكذا سلوك مذموم يدركون حقيقة ما يقومون به من مظاهر خادعة، والمشكلة هنا لا تكمن في سلبية هذه الظاهرة، ولكن المشكلة هو اعتقاد ذلك المسؤول أن هذه (الجماهير المحتشدة) هي دليل على شعبيته ورصيده الاجتماعي ومكانته في الأوساط الشعبية أو الحزبية أو غيرها، ما يجعله يصاب بما يمكن تسميته: التضخم الاجتماعي وتضخم الأنا الفردي إلى درجة الغرور؛ ما يؤدي به إلى الترفع عن المجتمع والنظرة الفوقية للآخرين، والاعتقاد بأنه (سوبرمان) يمتلك مواصفات غير عادية دليلها بالنسبة له ذلك الحضور اللافت، متناسياً أن تلك الهالة الكاذبة ما هي إلا بحكم المنصب الذي يحتله وما يوفره له من امتيازات ومنافع؛ بمعنى أن ذلك الرصيد هو رصيد المنصب لا موقعه بين الناس ودرجة حضوره ومكانته الشخصية، ذلك (المخدوع أو أولئك المخدوعين) سرعان ما يكتشفون بعد انتهاء مسؤولياتهم ومهامهم عريهم الاجتماعي، وحالة انعدام الوزن التي باتوا يعيشونها، وانفضاض جوقة المنافقين من حولهم، وأنهم كانوا يعيشون حالة (حمل كاذب)، وما ذلك المديح والإطراء الذي شنف آذانهم ودغدغ غرورهم، وجعل منهم (مستبدين صغار) إلا بفعل مكبرات الصوت التي أحيطوا بها. يحسن القول لمثل هؤلاء المخدوعين إن موقعكم الحقيقي حيث يضعكم الناس ممن تعاملوا معكم وخبروكم لا حيث يضعكم المنصب وما يوفره من مكانة إلا في حدود احترامكم له وحرصكم على تمثل مضامينه وتبعاته وشعوركم بالمسؤولية اتجاه الآخرين، فثمة مكان ومكانة؛ فالمكان أو المنصب متحول متبدل، والمكانة ثابتة راسخة ورصيد حقيقي تكتشفه في وجدان الآخرين الذين قد لا تعرفهم ولكنهم يعرفونك بحسن السيرة والأداء النظيف وكشف الحساب والتواضع وتمثل أخلاق المسؤولية والقيام بالواجب وما يتركه ذلك من سمعة عطرة ونقاء سريرة. إن جردة حساب المسؤول هي ذلك الرصيد الأخلاقي والإنجاز الذي زرعه وحققه في بيئة عمله ووسطه الوظيفي والاجتماعي وهو ما يكتشفه بعد انتهاء مسؤوليته من خلال درجة تفاعل مجتمعه معه ومستوى الاحترام والتقدير والسمعة التي يحظى بها، ولعل أقسى عقوبة يتعرض لها المسؤول؛ تتمثل في نبذه ومحاصرته اجتماعياً، فهذه أشبه ما تكون بسجن اجتماعي، وإن كان من دون جدران وزنزانة؛ فالعقاب الاجتماعي هو عقاب مؤبد لا يصيبه أو يخفف منه عفو أو إسقاط للعقوبة. إن المجتمعات والبشر عموماً تقاد بالمحبة والاحترام وفي المسؤولية بالإنجاز والخدمة؛ فالقيادة مسألة أخلاقية بالدرجة الأولى، وجردة حساب هي رأسمال اجتماعي رمزي تتحوصل في رصيد طيب وحبات قمح هنا وهناك زرعتها دون أن تعلم تنبئك عنها وتدلك عليها حبات المطر، ونختم بالقول : ” خفف الوطء.. فما هذا الثرى إلا من هذه الأجساد “.