بين الحب و الصداقة .. هل العلاقات الإنسانية معقدة وغامضة ..؟

#وكالة_إيران_اليوم_الإخبارية

 

 

لحبيب آيت أ صالح

كاتب صحفي

– يستعصي الحديث عن العلاقات الإنسانية، بالقدر الذي يصعب تشخيصها، ذلك أن هذه العلاقات تطرح إشكالات عديدة على مستوى أنواعها، ومدى قدرة المرء على الخوض فيها ، ومن ثم إنجاحها ، إذ يبدو واضحا أن وجود هذه العلاقات يظل مشروطا بشيء ما، وفي هذه النقطة تحديدا تطرح هذه العلاقات أكثر من علامة استفهام، لأن الأصل في هذه العلاقات هو أن تكون من أجل ذاتها، لكن لما استعصى هذا الأمر، وبتنا أمام علاقات مشروطة بشيء ما، فالمسائل لا تسير في المسار الصحيح، وهكذا لابد من محاولة النبش في هذه العلاقات لاستكشاف الأسباب الكامنة وراءها، والأسباب التي تحكمها، والنتائج التي تعقبها في ظل كونها مشروطة.

لا شك أن العلاقات الإنسانية معقدة وغامضة، هذا التعقيد والغموض مبني على أساس غير صحيح، وذلك نتيجة السلبيات التي تحكم هذه العلاقات، إذ أنه كان مفترضا أن تتضح كل الأمور في البدايات من أجل تأسيس علاقات ناجحة بامتياز، لكن هذه البدايات ما تنفك تحوم حول الكذب والمجاملة والنفاق وعدم ممارسة الصراحة، ولعل الأشخاص يختارون هذا الجانب السلبي من أجل الأهداف التي تدفعهم إلى الخوض في تلك العلاقات، ومن أجل تلك الأهداف يمارسون ما لذ وطاب من نفاق وكذب وخداع، وهنا تبنى هذه العلاقات حول أساس غير متين، سرعان ما ينهار، وسرعان ما تتلاشى هذه العلاقات.

لم يتدرب مجتمعنا على ممارسة الصراحة، ولم يملك الجرأة على قولها، ولقد صدق نتشه عندما قال بأن الحقيقة قاتلة، ولعلها كذلك، وهذا ما يجعلنا نرأف بالآخرين، ولا نخبرهم الحقيقة، فنضطر إلى مجاملتهم ونفاقهم، ذلك أن وهما ينعش أفضل من حقيقة تقتل، ولأننا اخترنا طريق الوهم، فقد قررنا أن نؤسس هذه العلاقة على الأوهام، ومن خلال ذلك يمكن أن نتوقع فشل هذه العلاقة، لأن الأوهام التي بنيناها عليها تؤدي إلى الانهيار، من هذه الزاوية يتضح أنه لابد لنا من ترميم النقطة التي تنطلق منها هذه العلاقات، وهذا الإصلاح يجب أن يهدف إلى مسألة ممارسة الصراحة.

تنقسم العلاقات الإنسانية إلى علاقة الصداقة وعلاقة الحب وقبلهما هناك ما يسمى بعلاقة الأخوة، هذه العلاقات هي التي تحكمنا مع الآخرين، فلا محيد لنا عن واحدة من هذه العلاقات في إطار علاقاتنا مع الآخرين، فنختار ما يبدو ممكنا لنا، وأحيانا نختار ما يناسبنا نحن، رغم أن ذلك قد لا يناسب الطرف الآخر، هذا الاختيار مبني على المشاعر التي نكنها للآخر، وبقدر ما تكون هذه المشاعر متبادلة تأخد هذه العلاقات منحى صحيح، لكن في الحالة التي تكون فيها المشاعر أحادية، فالعلاقة غالبا لا تسير كما ينبغي.

عندما نختار الارتباط بشريك لا يكترث لمشاعرنا، فإننا مخطئون في هذه العلاقة، ولا يجب أن نستمر فيها إلى حدود التورط، بل يجب أن ننسحب في اللحظة التي ندرك فيها أن ما نعطيه من مشاعر لا يليق بمشاعرنا

ندما نختار الارتباط بشريك لا يكترث لمشاعرنا، فإننا مخطئون في هذه العلاقة، ولا يجب أن نستمر فيها إلى حدود التورط، بل يجب أن ننسحب في اللحظة التي ندرك فيها أن ما نعطيه من مشاعر لا يليق بمشاعرنا، لأنه ليس من الحكمة أن نتورط في شريك لا يبادلنا مشاعره، وهذا النوع من العلاقات لا تليق بمشاعر أحادية، فإما أن تكون متبادلة أو لا تكون، وبقدر ما نضغط على الشريك لمسايرة مشاعرنا فإننا بشكل غير مباشر ندفعه للتعالي علينا، وهنا تستحيل المشاعر، ومهما فعلنا فلن نحصل على ذلك الشريك، ولهذا لابد من التريث في مسألة اختيار الشريك، وقبل التريث يجب أن يحصل هناك انسجام، ومن أجل هذا الانسجام لابد من بناء علاقة عاطفية على الحقيقة والصراحة، وهذا هو الطريق الوحيد للولوج إلى علاقة ناجحة.

في علاقة الصداقة تتولد الإشكالات، هذا النوع من العلاقات يشكل منعطفا حاسما في العديد من الارتباطات، ذلك أن هذا النوع يعترف ضمنيا بصداقة بين رجل وآخر، أو بين إمرأة وأخرى، أما صداقة بين جنسين مختلفين، فمن الناذر وجودها، ذلك أنه في ظل غياب سبب يمنع الإيمان بهذه الصداقة، فغالبا ما تنشأ مشاعر سرية بينهما عند طرف واحد أو كليهما، أما عندما يوجد سبب مقنع يكون بمثابة حاجز أمام التورط في أكثر من الصداقة، فغالبا ما تستمر هذه الصداقة بين رجل وإمرأة، أما في غياب هذا السبب، فالأمور تخرج عن السيطرة عاجلا أو آجلا في ظل المشاعر التي من المحتمل أن تنشأ لدى إحداهما أو كلاهما، مما يجعل هذه الصداقة تستحيل إلى حب أو تكاد أو تنتهي.

يتحدث الناس عن العلاقة بين الحب والصداقة، فهناك من يفضل الصداقة، وهناك من يفضل الحب، وهناك من يفضل صداقة مبنية على الحب، كما أن هناك من يرى علاقة حب تحكمها صداقة منفتحة، في هذا الإطار يطرح هذا النوع من العلاقات إشكاليات مرتبطة بالمنحى الذي يمكن أن تنجح فيه هذا النوع من العلاقات، فقد يبدو مستبعدا وجود صداقة مبنية على حب، لأن هذا النوع من العلاقات قد تتلاشى فيه الصداقة بسبب قوة الحب التي تحدد مسارها، وقد يكون الحب المبني على الصداقة الأقرب إلى النجاح، لكنه يطرح بدوره إشكالات على المستوى الذي ستؤطر فيه الصداقة هذا الحب، وهكذا قد لا يكون حبا بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما ستكون صداقة تحت اسم الحب، وعموما يستحسن وجود صداقة مبنية على محبة وحب لا ينزعان إلى التملك والسيطرة على الآخر وإخضاعه، كما يستحسن وجود حب تلوح فيه الصداقة على مستوى الانفتاح والاحترام والتقدير والتفاهم دون الشعور بالتعلق التام في الإطار قد يتلاشى عندما يزيد عن حده.

تطرح العلاقات الإنسانية إشكاليات عميقة، متعلقة بأصلها وهدفها وأسبابها، بالإضافة إلى الدوافع الكامنة وراءها، كل ذلك يجعل هذه العلاقات الإنسانية معقدة، ويصعب فهمها تماما

غالبا ما ترتبط الصداقة بأهداف غير واضحة من البداية، فيضطر أحد طرفيها إلى ممارسة نوع من النفاق من أجل بلوغ غايته من تلك الصداقة، وهذا النوع مرفوض في ظل الأساس الذي يجب أن تكون عليه، إذ يجب أن تكون من أجل ذاتها، وهذا ما دعا إليه أرسطو رافضا صداقة المنفعة وصداقة اللذة، فهويحاول أن يؤسس لصداقة الفضيلة، وهي صداقة من أجلها ذاتها، لكن هذا النوع من الصداقات يستبعد وجوده، لأنه قلما تكون الصداقة خالية من مصلحة ما أو هدف ما، وفي هذا الإطار لا تسير الصداقة كما ينبغي، رغم وجود صداقات لا تأخد فيها المصلحة إلا الجانب الثانوي. وهناك أيضا من يعتقد بأن الصداقة يجب أن تكون تكاملية، بحيث يجد الصديق في صديقه ما ينقصه، ويكملان بعضهما، ولا مجال للحديث عن المصلحة في هذا الإطار الذي تحدث عنه أفلاطون.

ما تنفك علاقة الأخوة تتجاوز حدود الأسرة، هذه العلاقة تربط بين أخ وأخيه أو أخته، هذه العلاقة واضحة تماما، لا مشاعر فيها سوى بعضا من المحبة الفطرية، هذه العلاقة لا تشوبها شوائب ولا يمكن تأويلها إلى أكثر منها، ولا تتجاوز تلك الحدود المتعارف عليها، والجانب الإشكالي منها مرتبط بمدى التفاهم وسوءه عندما يحصل بين الإخوة، فهو الوحيد الذي من شأنه أن يذمر هذه العلاقة. ومن زاوية أخرى تستحيل هذه العلاقة بعيدا عن إطار الأسرة، رغم ما ينطقه بعض البشر في هذا الصدد، إذ يظن البعض أنه يمجرد ما يخبرك بأنك مثل أخيه، فإنك كذلك، كما تفعل بعض الإناث من أجل منع الصديق أو الرجل من التورط أكثر، إذ يستحيل هذا الأمر، هذه الأخوة ليست سوى حاجز من طرف ذلك الشخص، لكي يمنعك من الطموح إلى علاقة أكثر من العلاقة التي يجب التعامل فيها تحت إطار أخوي رغم غيابه التام، هذه الأخوة الوهمية، يمكن أن تحل محلها الصداقة، لكنها أيضا لا تليق بين رجل وأمرأة يمكن أن يولد لدى أحدهما أو كلاهما مشاعر تفوق عقدة الصداقة.

هكذا تطرح العلاقات الإنسانية إشكاليات عميقة، متعلقة بأصلها وهدفها وأسبابها، بالإضافة إلى الدوافع الكامنة وراءها، كل ذلك يجعل هذه العلاقات الإنسانية معقدة، ويصعب فهمها تماما، ولعل مسألة كون هذه العلاقات مشروطة كاف لكي يجعلنا نتساءل حول حقيقة هذه العلاقات، ومدى مصداقيتها، ثم تتولد تساؤلات أخرى مرتبطة بالأسباب التي تجعل هذه العلاقات ممكنة تحت إطار ما، وكيفما كان هذا الإطار فإن وجود علاقات إنسانية ضمنه يطرح بدوره تساؤلات على حدود هذه العلاقات، ثم الاتجاه الذي يمكن أن تسير ضمنه هذه العلاقات، ثم الأسباب التي يمكن أن تجعل هذه العلاقات ناجحة.